عارفين؟!
كانوا يجتمعون مع أصدقائهم في الشارع الرملي الضيق أمام بيوتهم، يلتفون حلقةً واحدة ويقررون أن سيلعبوا “طاق طاق طاقية عليتين وعلية رن رن يا جرس حوّل واركب عالفرس”.. واليوم، لما كبروا، لم تمحُ بيوتهم التي نهضت غالبيتها العظمى من تحت ألواح الأسبست، وصارت عمائر مرتفعة، لم تمحُ من عقولهم ولا من واقعهم الهش فكرة المخيم حيث اعتادوا منذ الصغر أن يكونوا أولادها.
وقد تتساءلوا بعجبٍ عنهم؟!
إنهم.. “أحمد بركات” من مخيم الشابورة برفح، و”فلسطين أبو غبن” من مخيم الشاطيء بغزة، و”وسام أبو ندى” من مخيم جباليا بشمال قطاع غزة، وكثيرون لم يتكلموا بعد عن شبابهم المتألق حينًا، والمرهق أحيانًا من ثقل ما حمل من مذاقات اللجوء.
يقول بركات (24 عامًا):” المخيم هو أهم جزء في حياتي وليس مجرد كلمة أطلقت على أماكن سكن اللاجئين الفلسطينيين, عشت فيه بساطة الناس، وتقاسمهم الهم والفرح والرزق سوياً, له روح لا يشعر بها سوى أبناء المخيمات, يشعرني بالحنين المتواصل لوطني وبلدتي الأصلية “حمامة” ويزد في داخلي حب الدفاع عن الوطن”.
كما يعتبر بركات ابن الأسرة المكونة من عشرين فردا أن بيئة “الشابورة” جعلته يكبر قبل أوانه وأثرت كثيرا في شخصيته حيث صار مثابرًا ومصرًا على العمل من أجل مراعاة مسئولياته الكبيرة تجاه وطنه وأسرته ونفسه.
محاولة للبحث
وإذ اضطر بركات للانتقال قبل أشهر من مدينة رفح، للعيش في بيته المستأجر بالقرب من عمله في غزة، فإنه ينظر إلى هجرة الشباب سواء كانت داخلية أو خارجية على أنها محاولة للبحث عن واقع أفضل تتوفر فيه فرص العمل، والخدمات، غيرَ منكرٍ لإقبال الكثير من معارفه عليها أملاً في الحصول على جنسيات أجنبية.
بركات الذي عايش بشكل أو بآخر حالة من التفرقة بين من هو مهاجر ومن هو مواطن، تتمثل آخر رواسبها في بعض النقاشات الشبابية المحتدة، لا يشعر بالرضا عن الخدمات التي تقدم للمواطنين في الشابورة، واصفًا الوضع بـ “المزري”.
وعن حالة فقدان الشعور بالخصوصية نتيجة تلاصق البيوت المفرط، ترى أبو غبن (27عامًا) أن هناك ازدحام كبير جدًا لدرجة تصل إلى الضوضاء والفوضى وعدم الراحة، موضحةً بأن كل حركة وكل صوت مرصودة، خاصة فيما يتعلق بخروج المرأة و دخولها، وربما مظهرها أحيانًا.
وتحكي أبو غبن عن المخيم:” لا أستطيع أن أنسى أن هذا المكان هو أساس التصاقي بمعاناة الناس، وحبي للكتابة عنهم بقلم الصحفية الحرة، لقد شجعتنى الظروف التي عاشتها عائلتي على إكمال تعليمي الجامعي، وهذا ما أتوافق فيه مع كثيرات من شابات المخيم وشبابه، فالعلم كان وسيلتنا الوحيدة، ربما، من أجل تحسين واقعنا، في ظل افتقارنا للأملاك كما عند سكان القطاع الأصليين”.
بطالة وضيق مسكن
أبو غبن التي سمعت كثيرًا عن بلدتها الأصلية “صرفند العمار” تتفهم هجرة الكثير من الشباب إلى الخارج، لأسباب كثيرة على رأسها البحث عن فرص عمل في ظل انتشار البطالة، والانقسام الذي ولد المحسوبية والواسطة المفرطة، مؤكدةً أنها لا تنوي وزوجها إلا العودة إلى حيث كان أجدادها، وهذه هي “الهجرة الأجدر” بكل أبناء المخيمات، حسب رأيها.
وفي الوقت الذي يرى فيه بركات أن المرأة في المخيم تحظى بمكانة رفيعة أساسها مشاركتها الرجل كل تفاصيل الحياة بحلوها ومرها، فإن أبو غبن ومن واقع تطوعها في إحدى المؤسسات النسوية تؤكد أن المخيمات والقرى الغزية هي أكثر الأماكن التي تتعرض فيها المرأة للعنف، نتيجةً للفقر والبطالة وزيادة عدد أفراد الأسرة وضيق المسكن.
أما عن الخدمات المقدمة لأهالي الشاطئ فتصر أبو غبن على غياب دور المؤسسات الأهلية، واقتصار دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا” على تقديم الكوبونات، وبعض الخدمات التعليمية والصحية، أما خدمات الحكومة فتصفها بـ “السيئة جدًا” خاصة فيما يتعلق بالمياه المالحة غير الصالحة للشرب وفتحات المجارى والشوارع المليئة بالقاذورات.
وتتحدث أبو غبن بحزنٍ وإشفاق عن بعض شباب المخيم الذين تعرفهم وكانت التفرقة بين المواطن والمهاجر أساسًا لحرمانهم ممن رغبوا في الزواج منهن، اعتقادًا من أهلهن بأنهم طامعون في ما قد يرثنه من أراضي وأموال، مبينة ً أن الألم أكبر عند استذكار الشرح المتغلغل في الكل الفلسطيني اليوم.
أبو ندى أيضًا (25 عامًا) يشارك فلسطين استياءها، قائلاً:” ولدت وعشت في مخيم جباليا منذ كان بيتنا كرميد لا يكاد يحمينا من برد الشتاء وحر الصيف، وبقيت فيه حين بنينا الباطون، وفي كلا الوقتين عايشت التماسك والتحاب بين الناس، فلماذا نشوه حياتنا بالانقسام، بدلاً من أن نشغل أنفسنا بالبحث عن سبل عيش كريمة”.
مواهبهم وإبداعاتهم وقدراتهم
ويؤمن أبو ندى بأن خدمات الأونروا والحكومة يجب أن تُحسن بحيث تليق بمستوى البؤس الذي يعيشه المواطنون في قطاع غزة أكثر المناطق ازدحامًا بالسكان في العالم، أما المؤسسات الأهلية فيدعوها إلى تنفيذ مشاريع تنموية تستهدف شباب المخيمات وطلائعها، وترتقي بمواهبهم وقدراتهم وإبداعاتهم المهمشة؛ فليس كل شيء تعليم وشهادات.
ويظن أبو ندى أن الهجرة ليست عيبًا إن كانت خروجًا من قبضة معاناة لا بصيص أمل في أفق التخلص منها، لكنه يحذر من أنها تحولت إلى طموح، ليس بحكر على شباب المخيمات، بقدر ما هم مُلاك ذروته.
أبو ندى ابن قرية “دمرة” الذي تزوج حديثًا في بيت قريب من بيت أهله، والذي يعمل موظفًا حكوميًا محسوبًا على سلطة رام الله، لا ينكر أن الحياة الاجتماعية القائمة على العائلية والعشائرية في معظم المخيمات تفقده شيء من إحساسه بالاستقلالية التامة، متمنيًا من الإعلام المحلي أن يسلط الضوء على قضايا الشباب عامة بحيث يحقق وعي اجتماعي أفضل باحتياجاتهم، التي لا يملكون هم جرأة التحدث عنها أمام من يكبرونهم سنًا، ويفوقونهم خبرة.
“عوامل كثيرة جعلت التكوين النفسي والاجتماعي للشباب في المخيمات، مختلفاً بعض الشيء عن نظرائهم من سكان المناطق الأخرى، فالخصائص السكنية والاقتصادية التي تتميز بها المخيمات بالإضافة للعلاقات الاجتماعية التي تفرضها تلك الخصائص ساهمت بقوة في تجسيد تلك الاختلافات في عدة وجوه”.
بهذه الكلمات استهل دكتور علم الاجتماع السياسي حسام أبو ستة حديثه عن شباب المخيمات، شارحًا:” على الصعيد التعليمي والثقافي، يظهر الاختلاف في ارتفاع التحصيل الدراسي لدى الشباب، وضعف نسبة التسرب المدرسي، والرغبة الأكبر في الاستمرار بالتعليم في المستويات العلمية العليا، واختيار التخصص العلمي المؤهل للعمل في وكالة الغوث”.
العمل السياسي والنضالي
وعلى الصعيد الاجتماعي وخاصة فيما يتعلق بالزواج، يبين أبو ستة أن الشباب الفلسطيني في المخيمات يميل إلى التأخر في سن الزواج، بسبب الرغبة في التعليم، وضيق الوضع الاقتصادي لدى الأسرة، وارتفاع تكلفة الزواج. كذلك فطبيعة العلاقات بين الشباب تمتاز بترابطها إلى حد يمكن اعتبار الصداقة فيما بينهم تعادل أو تزيد عن العلاقات القبلية التي تشكل الرابط الأكبر في العلاقات بالمناطق الأخرى.
ويلفت أبو ستة إلى نظرة شباب المخيم المستقبلية، فهم عادة ما يطمحون للهجرة سواء الداخلية مثل الانتقال للسكن في المدن المركزية، أو الهجرة الخارجية، مشيرًا إلى تميزهم في العمل السياسي والنضالي، الظاهر من ارتفاع نسبة انخراطهم في المنظمات الفلسطينية، والنشاط المميز ضمن صفوفها، كنتيجة طبيعية لإيمان كبير بالقضية الفلسطينية أنجبته حياة اللاجئ المشتت المقتلع من أرضه والمحروم من خيرات أملاكه التي أحيلت للغير دون أي وجه حق.
وبشكل موسع حول هجرة الشباب اليوم يستطرد:” ربما في فترة سابقة عن قيام السلطة الفلسطينية كان من الممكن الحديث عن فروق في الإقبال على الهجرة بين الشباب الفلسطيني، لكن اليوم لا أجد تمييزا واضحاً بين الشباب سواء في المخيمات أو المناطق الأخرى؛ فكلهم مقبلون وبقوة”.
في ذات السياق ينوه أبو ستة إلى عدم وجود معلومات دقيقة حول معدل العنف حسب مكان السكن، فحتى التقرير الأخير الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني المعني بمسح العنف لدى المجتمع الفلسطيني، لم يتطرق بالتفصيل إلى هذا الأمر، معتبرًا أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة _ كما في المخيم_ تساهم إلى حد كبير في رفع معدل العنف الجسدي والنفسي بالذات ذلك الممارس ضد المرأة والأطفال.
أجندة الأنروا
أبو ستة يشير أيضًا إلى أن طول الفترة الزمنية التي قضاها بعض الفلسطينيون داخل المخيمات، واستمرارها حتى اليوم، وعدم معرفة إلى متى ستستمر، هي المحدد الرئيسي في تقييم الخدمات المقدمة للاجئين؛ فالأنروا مثلاً ساهمت إلى حد كبير في مد اللاجئ الفلسطيني بالإعانات الإغاثية وفق برامج متعددة انحصرت مع مرور الزمن، وباتت تشهد تراجعًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة ما انعكس على المستوى المعيشي للاجئين.
ويلفت أبو ستة إلى غياب الجانب التنموي الشامل للمخيمات وقاطنيها عن أجندة الأنروا، ما لم يعد مبررًا في ظل استمرار معاناة اللاجئين طيلة عقود مضت، مصرًا على ضعف الاهتمام بفئة الشباب في المخيمات على الرغم من وجود بعض النشاطات التي تنفذها مراكز اجتماعية أنشأتها الوكالة.
أما فيما يتعلق بدور الجهاز الحكومي فهو لا يختلف في المخيم عما هو في المناطق الأخرى، حتى وإن وفر العديد من فرص العمل في بدايات نشأته، إلا إنه اكتفى في مجالات حياتية أخرى خاصة باللاجئين على الدور الذي تقوم به وكالة الغوث في المخيمات، مما أضر بالمستوى الخدماتي للاجئين، حسب أبو ستة.
ويعلق أبو ستة على افتقاد فلسطين لدور المؤسسات الأهلية:” شكل المجتمع المدني خاصة “المنظمات الأهلية” رافعة للواقع المعاش في المخيمات الفلسطينية، حيث ساهمت إلى حد مقبول في التخفيف من معاناة الأسر الفلسطينية في المخيمات، وقدمت العديد من فرص العمل للشباب، إلا إنه لا يمكن التعويل عليه منفردا في تحقيق المستوى المرغوب به من أجل تحقيق ظروف حياتية مناسبة للاجئين الفلسطينيين”.
جباليا، الشاطئ، البريج، النصيرات، المغازي، دير البلح، خان يونس.. إنها مخيمات قطاع غزة التي تكتظ اليوم بلاجئين كثر، وشباب لا يملكون سوى الحلم بواقع أفضل لا يترنح بين خيبات أمل شخصية، وانتكاسات سياسية تتالى فتعم بلا اكتراث ولا رأفة.
تقرير لمشيرة توفيق، العدد 25، ملحق فلسطين، جريدة السفير
