غزة_ مشيرة توفيق:
“فلسطين (67) حازت احترام واعتراف (138) دولة، والمطلوب أن نحترم أنفسنا كفلسطينيين ونعترف أن الانقسام كان مَعَرَّة ومحطة من محطات العسل الأسود وعار وطني ينبغي إنهاؤه وتجاوزه، والفلسطينيون بالانتظـار.. انتظار مَسْحْ الغُبارْ، و ترتيب المرحلة والكراسي، بانتظار الفَقْصْ الأخيرْ و ترتيب الكَنَبْ وشراشف السرير، بانتظار ترتيب البيتْ الفلسطيني، وعودة الموظفين، و”المستنكفين”، وعودة اللاجئين، وإعادة الاعتبار للتضحيات وللشعار.. وحدة الأرض، والشعب، والقضيـة!!”
بقطعة فنية من مقاله “في الحَليبْ الوَطَنيْ، وطَبَقْ الدَّولَة، وطَاوِلَة المُصالَحَة.. و”الكُوْرنْ فليكـس!!” انطلق الكاتب الفلسطيني المستشار القانوني أكرم الصوراني إلى الحديث عن ما يرى في وجه الدولة الفلسطينية الجديدة.
واستمر قائلاً:” الاعتراف بدولة فلسطين، بدون مكابرة أو مزايدة يقرأ باعتباره محطة من محطات النضال و إنجاز معنوي في حدوده الدنيا موازاة مع الحد الأدنى الوطني وهو البرنامج المرحلي المتفق عليه فلسطينيا، نظريا على الأقل، بين مختلف الفصائل، وفي النتيجة بين مختلف المزاج الشعبي العام المنتمي لتلك الفصائل، رغم أن هذا المزاج في وعيه العفوي وغير العفوي لا تتقبل ذهنيته الفكرية وذاكرته الوطنية إلا فلسطين في شكلها التاريخي من النهر إلى البحر”.
لا تملك سوى هذا
وفي الوقت الذي تطرق فيه رئيس دائرة شئون اللاجئين-حماس وأستاذ القضية الفلسطينية بجامعة القدس المفتوحة في غزة الدكتور عصام عدوان إلى الآثار السلبية للتوجه الفلسطيني لطلب عضوية كاملة أو غير كاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، في مقال له نشر في كتيب صادر عن الدائرة، حيث قال إنه “لا يعزز حق العودة للاجئين الفلسطينيين, بل يضع هذه الحقوق في مهب الريح ويطمسها”، اعتبر الصوراني أن دولة في حدود 67 في هذه المرحلة مكسب، متسائلاً: “لماذا؟”، ومجيبًا:” لأننا وصلنا إلى مرحلة كادت تتلاشى فيها معالم القضية ومعالم التضحيات، خاصة بعد الانقسام، حماس في مرحلة سابقة كانت تقف حجر عثرة في وجه أي انجاز سياسي يحسب لعرفات والآن اقتربت من برنامج أبو عمار_ أبو مازن سياسيا، أما الفصائل حاليا فلا تملك سوى هذا البرنامج برنامج (الضفة، غزة، القدس الشرقية)، ولنفترض جدلا أن إسرائيل وافقت على حدود 67 وتمكين الفلسطينيين من ممارسة سيادتهم بشكل كامل ومنحهم الاستقلال التام هل يمانع احد فلسطيني ذلك؟! بالتأكيد لا، حتى أكثر الراديكاليين”.
وفي معرض رده عن سؤال طرحه الكاتب شاهين أبو العز في مقال نشر في أحد أعداد ملحق فلسطين الصادر مع السفير اللبنانية:” هل العودة ممكنة؟”، وأجاب عنه بـ “كونوا واقعيين.. اطلبوا المستحيل!” شعار كوهين بنديت شيخ اليسار الأوروبي في ثورة 1968 في باريس، أكد الصوراني أن حق العودة على صعيد القرارات الدولية مكفول، بالقرار 194 الذي يعتبر من أهم القرارات الخاصة بحق عودة اللاجئين كونه القرار الوحيد الذي يُعرف حقوق اللاجئين الفلسطينيين بصورة جماعية ويطالب بحقهم بالعودة كمجموعة قومية، جنبًا إلى جنب مع العديد من القرارات الأخرى المؤكدة عليه، كالقرار التاريخي للأمم المتحدة رقم 3236 الذي يؤكد على الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني ومن ضمنها: حق تقرير المصير دون تدخل خارجي، حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والسيادة الوطنية، حق الفلسطينيين الثابت في العودة إلى ديارهم، وكذلك البروتوكولات ومنها بروتوكول لوزان الذي تضمن اعتراف “إسرائيل” بحق الفلسطينيين بالعودة وتعهدها بتطبيق قرار التقسيم، وهما نفس الشروط التي قبلت بموجبها “إسرائيل” عضواً في الأمم المتحدة.
ولكن الصوراني يعتقد أن ما حدث ليس إلا “محطة”، وعندما تحدث متغيرات إقليمية وعربية ودولية تمنح الفلسطيني والعربي القوة، لن يتردد أحد في محاربة إسرائيل واستكمال إنجاز الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني على أرضه التاريخية من رأس الناقورة حتى أم الرشراش؛ ذلك أن الحق تلزمه القوة لتنشئه وتحميه، والقوة غائبة عربيا وفلسطينيا.
تمثّل الشعب الفلسطيني
وعن ما إلغاء الدولة الجديدة دور منظمة التحرير الفلسطينية فيرى الصوراني أن الدولة لا تعني إلغاء دور المنظمة بوصفها الكيان الممثل الشرعي للتواجد الفلسطيني في الوطن والشتات؛ فالفكرة، حسب رأيه، أن هذا لن يتم إلا بإسقاط مرجعية وتمثيلية المنظمة للفلسطيني لحساب الدولة وهنا الخطورة وفتح الباب للحديث عن اللاجئ بصفته مغترب، ما تطرق إليه
المختص في القانون الدولي من لندن الدكتور أنيس مصطفى القاسم في مقالة له بعنوان “مغزى خطوة التوجه إلى الأمم المتحدة وأهميتها من زاوية النظر القانونية” حيث كتب:” منظمة التحرير، ولو من الناحية القانونية على الأقل، تمثّل الشعب الفلسطيني بكامله، بما في ذلك اللاّجئين، في حين أنّ “الدولة” ربما يفترض فيها أنها تمثل المقيمين في الضفّة وقطاع غزة، وهكذا فإنّ غالبية الفلسطينيين لن يجرَّدوا فقط من حقوقهم وإنما ممّن يمثلهم ومن القدرة على ملاحقة حقوقهم”.
وحذر الصوراني من الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية ما يسدل الستار على فلسطينيي الداخل بوصفهم مواطنين إسرائيليين _ربما من الدرجة العاشرة_ وربما إزاحتهم في إطار استيعابهم في دولة الـ67، مؤمنًا بأن فلسطين ليست يهودية، واليهودية ليست أمة، وهذه “الأمة” مزعومة لا شعب لها، كما أن “هوية دولة إسرائيل” المرتبطة بمفهوم “الشعب” أو “الأمة اليهودية” -كما يقول المفكر الفلسطيني أ.غازي الصوراني- ستظل هوية مزيفة، مضطربة غير قادرة على إثبات وجودها بصورة علمية أو موضوعية أو تاريخية كجزء من نسيج المنطقة العربية، وبالتالي لا يمكن تكريس هذه الهوية إلا بدواعي القوة الإكراهية الغاشمة المستندة إلى دعم القوى الإمبريالية.
في ذات السياق يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس المفتوحة الدكتور صلاح أبو ختلة أن لا أحد يجرؤ على الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، مبينًا أن الخطورة في ذلك تكمن في فرض قيود جديدة ذات علاقة، على طاولة التفاوض الذي رأي فيه أبو مازن خيارًا أول.
ويوضح أبو ختلة أن انضمام فلسطين إلى الأمم المتحدة سهل ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير والذي يشمل كل حقوقه، مشددًا على أن لا أحد يستطيع أن يصفي منظمة التحرير التي الإطار الجامع لكافة الفلسطينيين، حين كانت مرجعية للسلطة، وحين صارت مرجعية للدولة المحتلة.
دونما التفات إلى الضغوط
وجنبًا إلى جنب مع ما نشره أبو ختلة في مقالة له بعنوان “الجمعية العامة والانجاز والرئيس”: “امتلاك الإرادة لاستغلال الانجاز والذهاب لمحكمة الجنايات الدولية لمحاكمة الاحتلال على جرائمه وفى مقدمتها قضية عائلة السموني وعائلة الدلو واستخدامه للأسلحة المحظورة دولياً ضد أطفالنا ونسائنا وشيوخنا”، فإنه يصر على قيمة إبقاء مخاوف إسرائيل تجاه الذهاب إلى محكمة الجنايات الدولية حية، لمنعها من الاستمرار في ارتكاب جرائمها، دونما التفات إلى الضغوط التي تمارسها للحيلولة دون ذلك، خاصةً وأن هذه سياستها التي مارستها في كامب ديفيد على وجه الخصوص حين حاولت الضغط على الرئيس ياسر عرفات ليوقع على عدم الذهاب للأمم المتحدة في المستقبل، ولكنه رفض.
وعن انعكاسات ميلاد الدولة الفلسطينية على أرض الواقع، بدا أبو ختلة رافضًا لاعتبار ما حدث فتحًا ونصرًا عظيمًا، ذلك أنه لم يكن أمام القيادة الفلسطينية قرارًا آخر غير هذا القرار الذي جاء متأخرًا رغم أن نتائجه كانت مضمونة من أعوام طويلة مضت، وأن دولة الاحتلال التي هي الطرف الثاني في الصراع لم تعترف بالطرف الأخر، وبالتالي ستبقى المعابر على سبيل المثال على حالها، وكذلك القضايا ذات العلاقة بالأوراق الرسمية كجوازات السفر وشهادات الميلاد، ما يعني أن الكيان الفلسطيني كيان معنوي يتمثل على المستوى السياسي في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، لكن المواطنة مفهوم يرتبط بالأرض ممتدة من رأس الناقورة حتى أم الرشراش.
وبشأن الجدل الذي أثير على صفحات التواصل الاجتماعي، حول الطريقة التي كان ينبغي الاستفادة فيها من قرار الأمم المتحدة 181 القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين بنسبة 45% للدولة الفلسطينية، ونسبة 55% للدولة اليهودية، وأن تقع مدينتا القدس وبيت لحم في منطقة خاصة تحت الوصاية الدولية، يختلف أبو ختلة مع أنيس القاسم فيما كتبه:” الحدود يجب الاستفادة منه في نصّ مشروع القرار الخاصّ بالاعتراف وذلك بوصف إعلان الاستقلال هذا على أنه، مثلا، “لتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة سيادته على الأراضي الفلسطينية المحتلّة منذ 1967 وذلك دون المساس بحقوقه الثابتة غير القابلة للتصرف”، إذ أن الأول يذكر باتفاقيات الهدنة التي وقعت عام 1949، وأضافت 25% إلى ال55% الأولى لصالح إسرائيل، ويذكر بالواقع السياسي الجديد الذي لن تقف الدول العربية المشكلة له مع توجه يطمح لمزيد من الأرض، ولو معنويًا، فوحده القبول بحدود 67 يعني اعترافًا ضمنيًا بدولة إسرائيل.
كنزاع مع دولة
من جهته المدير العام للمركز القومي للدراسات التوثيق الباحث ناهض زقوت تحدث عن إيجابيات إعلان الدولة وتتمثل في وجود 138 دولة في العالم تعترف بفلسطين، في حين تقف تسع دول إلى جانب إسرائيل، وتمتنع 41 عن التصويت خشية من ضغوط إسرائيل، وكذلك وضع محددات جديدة لمفهوم الصراع فبعد أن كانت إسرائيل تنظر إليه على أنه نزاع مع شعب، صارت مجبرة عليه كنزاع مع دولة، وهذا يعني أن الأسرى الفلسطينيين أسرى حرب ونضال وطني حسب القانون الدولي ذاته الذي يسمح للدولة الجديدة بالانضمام لكل المنظمات بما فيها محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.
وبرغم أن حقوق شعب الدولة الجديدة تتضمن حق الكفاح المسلح أحد ركائز حق تقرير المصير على حدود ال67، يظن زقوت أن المفاوضات على قاعدة الوحدة واللحمة الفلسطينية، وإعادة النظر في الخطاب السياسي والإعلامي، خيارًا أقرب إلى الواقع الذي تغيب عنه مقومات الكفاح المسلح الكاملة، وينظر إليه العالم بأعين صهيونية.
ويتفق زقوت مع الصوراني في حديثه عن اللاجئين، قائلاً:” اللاجئ الفلسطيني يبقى لاجئًا إلى أن تتحقق عودته إلى دياره، وهذا يكفله القرار 194، أما الدولة الفلسطينية فلن تكون في حال جاء اللاجئون إليها إلا مستضيفة، كما تبقى الأونروا مشرفة على تقديم الخدمات بكافة أشكالها لهم”.
ومع أنه يبدو غريبًا، إلا أنه زقوت يقترحه كحل:” إذا وافقت إسرائيل على عودة اللاجئين للعيش في ديارهم، فعليهم أن يعودوا، ليس المهم ما يحملوه من جنسيات وهويات، المهم أن يبقوا على الأرض، وكذلك علينا أن نساوم على عودة اللاجئين المهجرين إلى ديارهم عام 48، في مقابل بقاء المحتلين على 67 أي أراضي الدولة الفلسطينية، كخيار للتفاوض”.
ويعد زقوت الانقسام أبرز العوائق التي تقف بوجه الدولة الفلسطينية، فقد استطاع أن يحقق ما لم يحققه أوسلو التي اعتبرت الضفة والقطاع وحدة جغرافية واحدة، داعيًا إلى بحث المصالحة على أرض غزة برعاية مصرية، دونما انتظار للنتائج التي ستقف عندها الأمور في مصر.
وحتى وإن تحققت المصالحة، ونالت الدولة مناها من السيادة يظل البعض قلقًا على ما سيخلفه الهدوء والأمن والرخاء على مستقبل الثأر الذي قال عنه أمل دنقل:” إنه الثأر تبهت شعلته في الضلوع إذا ما توالت عليه الفصول.. لا تصالح !!”.
