الفلسطينيون: أمثال بلادنا زوّادة أولادنا

تفيضُ حكمةً وتجربةً وخصوصية، وتملأ الروحَ إعجابًا، حتى إذا ما فكرت في مدِ كفكَ والنهل من أحواضها وجدتَ مذاقًا فريدًا يسجلُ مع كلِ رشفةٍ أحداثًا من عبق التاريخ بكل فصوله وكل ميادينه وأركانه، وتشمُ في طياتها رائحة بيوتٍ طينية زكية وقديمة سجلَ ساكنوها منذ عمرٍ طويلٍ وطنيتهم ونضالهم، إنها “الأمثال الشعبية الفلسطينية” التي أبدعت صياغة الحياة بدقةٍ لغوية متناهية فصارت بصحبة الثوب المطرز والدبكة والأناشيد الجميلة خيرُ دليل على الوطن المحتل منذ ما يزيد عن ثلاثةٍ وستين عامًا.

عائشة (65 عامًا) هي من أهم نساء حارتها الحافظات للأمثال والأغنيات الشعبية، وتسكن في بيت زوجها في نفس مكان ميلادها بمدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، قرب أولادها وبناتها التسعة.

تجلس عائشة في ساحة بيتها وتبدأ حديثها عن حياتها الماضية متنهدة فتقول:” ما الذي سأقوله عن تاريخنا وذكرياتنا، يا الله ما أحلى أعراسنا الفلسطينية، لما كنا نجتمع قبل العرس بأيام، ويتوافد شباب الحارة والأقارب والجيران والأحباب يرقصوا الدبكات الشعبية على أنغام الناي المصحوبة بكلمات الأناشيد التي يؤلفها شعراء القرية”.

وتواصل باسترسال مشوق :” حياتنا زمان كانت بسيطة، كان بال الناس مرتاح، وكل وقت طويل نبقى نسمع عن حدث جديد، ولهذا السبب كان متاح نحفظ الأغاني ويتعلم أولادنا الرقصات ونطرز الثوب الفلسطيني، ونحكي الأمثال ونتحاكى فيها في كل وقت وكل مناسبة”.

ليسجلوها في مذكراتهم

وتبين عائشة أنها حفظت الأمثال الشعبية لأنها كانت تقال في كل وقت وكل مناسبة، وكان الصغار والكبار يحفظونها ويأخذون بها ويتعلمون معانيها، أما الآن فقد قل الاهتمام بها وإن لم تندثر لأن المعلومات كثرت وصارت الأدمغة بالكاد قادرة على الحفظ، بالإضافة لقلة فرص التقاء الناس وانشغالهم بأعمالهم وحياتهم الخاصة.

ورغم ذلك فإن عائشة التي لا تكف عن سرد الأمثال والأقوال أمام أحفادها وأبناءها وجيرانها وتبدو فرحةً بأنهم يطلبوا منها إعادة القول ليسجلوها في مذكراتهم ودفاترهم إعجابًا منهم بها، ومن ذلك ” دوّر عالأصيل ورافقه لو إنه هدومه عليه دايبات، إن وقع الشرك بينك وبينه بيردنه جدوده الطيبات”.

وكذلك الأمثال التي تعكس تعلق الفلسطيني بأرضه ووطنه:” إلي يبيع أرضه يبيع دينه، وأهلك ولا تهلك، والحر كرامته رأس ماله، واتعب على أرضك تتعب عليك، وبلادك إن شحّت عليك مرية، ومقدارك من دارك”.

ولا تنفك عائشة تتوقف عن دس الأقوال الشعبية في سياق حديثها وكأنها باتت جزءًا لا يتجزء من شخصيتها التي تشي بقيمة التراث الفلسطيني الذي “يتعرض كل يوم لمشاريع التهويد الإسرائيلية وكأنه واجب أن يسرق كما الأرض فينسب للدولة العبرية وتسوقه بين الدول كامتدادٍ لها”.

وتعلق عائشة على ذلك بما حفظت:” بطني ملان ومخزنه صدري خايف أقول آه تسمعني العدى وتدري”، و”واجب على الجدع يكون صبار ويصبر على المليح وعلى الجفا”، لكن “إن تركتها في البر تصبح ملامة وإن عالجتها يصعب علي علاجها” فأحسن ” أخليها في القلب تسطح ولا تطلع بره تفضح”.

هجرة واغتراب

وتروي عائشة آخر المواقف الذي وجدت فيه أن من المُلح استخدام المثل الشعبي لأجل الإقناع، إذ لما جاءت ابنتها الكبرى إليها غاضبة من زوجها، ومصرة على عدم العودة إليه، ردت عليها ناصحة:”أم القاعود على الدار بتعود” أي أم الأولاد ترجع لبيتها.

ويوافق الحاج محمد من مواليد عام 1939، ويسكن في خان يونس جنوب القطاع عائشة على مكانة الأمثال الشعبية في إقناع الناس حتى شباب اليوم، فهي “موجزات لغوية تعبر عن خبرات الناس وتجاربهم، وأحيانًا هزائمهم ونجاحاتهم، لكنها تعبر عن معاناة الفلسطيني في معظمها وهذا ما يميزها”.

كما يستهل محمد افتتاح بوابات ذاكرته بالقول:” أبوك يا الكبر يلي بتهد الحيل، يا حوف ما عدت أسوى جديدين ولا بنباع غالي”، مشيرًا إلى أن كبار السن هم أكثر الفئات التي تحفظ طيات الأدب الشعبي الفلسطيني في ذاكرتها، ولذلك يجب الاستعانة بهم من أجل التسجيل والتدوين والحفظ في موسوعات تنشر في كل العالم.

ويروي محمد بعض الأمثال التي ترتبط بمعناها مع هجرة واغتراب الفلسطينيين من بلادهم:” الغربة كربة وهم للركبة، وإلي إله غايب بيضل قلبه دايب، وإن احتجت ارحل بس لا تبيع وطنك، وفي داري قنطار وبره أوقية، وإلي يطلع من داره ينقل مقداره”.

كما يلفت محمد الذي عمل مدرسًا للتربية الدينية في مدارس وكالة الغوث إلى أن المثل الشعبي الفلسطيني قد يستمد من الحكاية، أو الحادثة، أو الأغاني الشعبية، أو التراث الأدبي، لذلك فإن كل واحد منه يعبر عن خبرة وحالة وحكمة معينة بلا تناقض، تمامًا كما نقول:” الجار جار ولو جار”، و”يا جاري أنت بحالك وأنا بحالي”.

الحقوق المسلوبة

ويتحدث محمد عن الأمثال الشعبية التي تحث الفلسطيني على التوحد والتآخي:” كلنا أولاد تسعة، وأنا وأخوي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب، وإلي من دمك ما يخلو من همك، واحترم كبيرك يحترمك صغيرك، وإلى ما إله كبير ما إله تدبير”.

ويضحك محمد مذكرًا بأن الأمثال الفلسطينية أعطت المرأة شريكة الرجل في المعاناة والنضال حقها حين قالت:” بنت الرجال عانت واستعانت وبنت الأنذال حطت راسها ونامت، وإلى بيسعدها زمانها بتجيب بناتها قبل صبيانها، وبنت العم بتصبر على الجفا، وخذ الأصيلة ونام على الحصيرة”.

ويذكر محمد بأن الفلسطينيين لطالما كانوا معنيين بإنشاء جيل قادر على استرداد الحقوق المسلوبة، الأمر الذي حثت عليه الأمثال:” الابن الفاسد بيجيب لأهله المسبة، والرجال مخابر مش مناظر، وأكل الرجال على الرجال دين وأكل الرجال على الأنذال صدقة، والقرد بعين أمه غزال، وزوجك على ما عودتيه وابنك على ما ربتيه”.

ويختم محمد حديثه مبتسمًا:” وأنا لأصبر صابر فوق صابر، نيالك يا قلبي كيف صابر، وأنا صبرت صبر الخشب تحت المناشير، وإيش صبرك يا خشب غير التقادير”، ” وأنا زرعت الزرع وقلت الزرع أبو الخير، جزاكن يا شدايد كل خير عرفتّني العدو من الصحابا”.

أما كوكب (70 عامًا) وتعيش مع زوجها وأولادها في دارها بجنوب قطاع غزة فتبدأ حديثها بعينين دامعتين:” يا غزَيّل يا غزَيّلة جيرة عليك تميّلا، يا غزَيّل يا ابن عمي يا أبو القميص البني، وإلى حرمني شوفة أمي يحرمني شوف الهوا”، و”على بيت الشعر نادي يا طير وازعق، وأبوي إلي أبعد بلادي، أمانة سلم على أمي”.

وتتحدث كوكب “أم هشام” عن ظروف الهجرة التي عاشتها لما طردها اليهود مع أهلها من بلدتها الأصلية “بيت شيت”، إذ من قلة الطعام كان الناس يطحنون الفاصولياء والبطاطس ويعجنوها ليأكلوا، فانطبقت عليهم أمثال كثيرة:” جوعة على جوعة تخلي القلب لوعة، واشقح كفك وخبي قرشك، والجوع علمني السقاطة والعري علمني الخياطة”.

التطلع للحرية

كما تنوه إلى أن المثل الفلسطيني يعكس بعض ملامح المجتمع الفلسطيني، كاعتماده على زراعة الزيتون والعنب في “الزيتون ملّك العاجز”، وفي “إلي ما يطول قطف العنب يقول حامض”، واستخدامه لجرار الفخار في ” إلى على راسه جرة يتلمسها”، والاعتماد على صنع الخبز في فرن الطينة في “الرغيف إلي بيلمع للصاحب إلي بينفع”، ولبس الثوب الفلاحي في “إلي يطلع من ثوبه يعرى”.

وتتذكر أم هشام كثير من الأمثال التي كانت تشكل قواعد للحياة الاجتماعية للفلسطيني وما زالت:” أصعب الحموات الخالات والعمات، ويا رايح كثّر الملايح، وعريس الهنا من ليلته قلي خذي فراشك وابعدي عني، وإلي ما يحطني على راسه شاش ما بحطه برجلي مداس، وسوء الظن عصمة، وقالوا للسمكة مالك بعين قالت من بناتي التنتين، وغناه من مرته وفقره من مرته، وبناتي فراشي وأولادي غطاي”.

وتلفت أم هشام إلى أن البلدات الفلسطينية كلها اشتهرت بتناقل الأمثال الشعبية ولم تخل واحدة من هذه الظاهرة، غير أنه في بداية الهجرة كان وجه الاختلاف الوحيد بين الناس في رواية وتناقل المثل يرجع للهجة الرواي كأن يقول “طم الجرة على تمها تطلع البنت لأمها” بدلاً من “اقلب الجرة على تمها تطلع البنت لأمها”.

وتعتقد أم هشام أن على جمعيات إحياء التراث أن تمارس دورها في نقل المثل الفلسطيني بكافة أشكاله إلى العالم وتوثيقه، بالإضافة إلى تعليمه منهجيًا للأجيال لتظل حافظة ولا تنسى الأحداث المفصلية في مسار القضية الفلسطينية منذ يوم ميلادها.

وعن أمثال الوفاء للوطن والأمل والتطلع للحرية تزيدنا أم هشام نورًا:” عمر العدو ما يصير حبيب إلا لما يصير الحمار طبيب، ومن طين بلادك حنّي خدادك، ويا معمر بغير بلدك والله ما هو إلك ولا لولدك، والحر كرامته راس ماله، ومن كان عدوه نملة فلا ينم له، ويا جبل ما يهزك ريح”.

تقرير لـ: مشيرة توفيق


التعليقات مغلقة.