مشكلات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان كثيرة ومتشابكة. والسبب الرئيسي فيهذا التشابك المعقد هو أن الدولة اللبنانية امتنعت منذ أربع وستين سنة عنالإسهام الجدي في حل هذه المشكلات أو حتى بعضها. ويمكن تلخيص هذه المشكلاتبست فقط هي التالية:
أولاً: عدم الأمان؛ فقد خضع الفلسطينيون منذ النكبةفي سنة 1948 لشروط مهينة من العيش، فأقاموا خمس سنوات متواصلة في العراءتقريباً، أي في الخيمة، حتى سمح لهم بأن يبنوا جداراً في محيطها، فصار فيإمكان الواحد منهم أن يسند ظهره. وانتظروا خمس سنوات أخرى حتى بات فيإمكانهم أن يضعوا ألواح «الزينكو» (التوتياء) فوق رؤوسهم، ثم انتظروا حتىسنة 1969 لينتزعوا حق العيش في منزل ذي سقف من الباطون بدلا من الزينكوالذي كان المطر يجيد النقر عليه في الشتاء، ويتحول إلى فرن لاهب في الصيف. وفي المراحل اللاحقة خضعت المخيمات إلى العدوان الإسرائيلي الدائم فدمرمخيم النبطية في سنة 1974، وجرف تل الزعتر وجسر الباشا وأجزاء من ضبية فيمعمعان الحرب الأهلية اللبنانية، وسحقت مخيمات أخرى في حروب المخيمات بين 1985 و1987، وكان آخرها ما حل بنهر البارد، وهو أمر لا يزال ينذر بكوارثحتى الآن
.
ثانياً: السكن؛ إن معدل مساحة المنزل الواحد في المخيم هو 14متراً مربعاً (او 2,2 غرفة) مرصودة لستة أشخاص. وجميعنا يعرف كيف تتلاصقالبيوت بحيث يصبح اختراق أشعة الشمس لتتخلل المنازل بنورها أمراً في غايةالصعوبة. وهذا يعني وجود رطوبة عالية في هذه المنازل وأمراض صدرية وجلديةمقيمة بصورة دائمة.
ثالثاً: الصحة والبيئة؛ وهي مرتبطة معا برباط وثيقومتصلة بطريقة بناء المنازل، وهي طريقة عشوائية تماماً. فالمجارير مكشوفة،ومكبات النفايات قريبة من المنازل، وفي حالات كثيرة تنتشر بين المنازل،وتختلط مياه الشرب بالمياه الآسنة لأن قساطل الجر مهترئة ومتداخلة فوقالأرض.
رابعاً: التعليم؛ كان الفلسطينيون في لبنان من أكثر فئات المجتمعتعليماً في الحقبة التي أعقبت نكبة 1948 وحتى نهاية سبعينيات القرنالعشرين. لكن، منذ خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في سنة 1982بدأت ظواهر التسرب من المدارس لدى التلاميذ من الفئة العمرية 10ـ17 سنة (المرحلتان المتوسطة والثانوية) تتزايد بسبب الاضطرار إلى الالتحاق بورشالعمل لإعالة العائلة التي فقدت الزوج على سبيل المثال. وهذه الحال ما زالتتتفاقم باطراد حتى اليوم. وبسبب ضمور سوق العمل للمهن اليدوية غيرالمدربة، فإن هذه الفئة العمرية تجد نفسها عالقة بين السعي إلى الهجرة (وهوخيار محدود)، أو الالتحاق بالفصائل المسلحة.
خامساً: العمل والبطالة؛ إن نسبة البطالة في المخيمات الفلسطينية هي 48% مقارنةبـ8,2% في لبنان. وهي فجوة مروعة يعرف الباحثون عقابيلها السياسية والأمنيةوالاجتماعية. وتتفرع من هذه الحال ظاهرة عمالة الأطفال (10ـ14 سنة)، وهيظاهرة مرتبطة بالفقر وببعض المشكلات الأسرية لفقدان الأب أو الأم أو التوقفعن الدراسة لعدم وجود أوراق ثبوتية مثلا.
وفي جميع الأحوال، فإن معدلالدخل الشهري للعائلة الفلسطينية المؤلفة من ستة أفراد لا يتجاوز 350 ألفليرة لبنانية، أي نصف الحد الأدنى للأجور تقريباً. والمعروف أن قوانينالعمل اللبنانية ولوائح النقابات المهنية اللبنانية تمنع الفلسطيني منالعمل في مهن كثيرة، ولا سيما الطب والهندسة والصيدلة والمحاماة… الخ. فالمهندس الفلسطيني إذا وجد عملا، فإن توصيفه الوظيفي يكون «فورمان» حتى اوعمل مهندساً. والطبيب الفلسطيني إذا افتتح عيادة له في داخل احد المخيماتيصبح مطلوبا للسلطات بتهمة ممارسة مهنة طب من دون ترخيص.
إن اليدالعاملة الفلسطينية ليست منافسة لليد العاملة اللبنانية على الإطلاق بلمكملة لها، لأن وجود نحو 350 طبيباً، ونحو 80 محامياً و300 مهندس وأعدادقليلة وغير محدودة من الصيادلة لا يضير المجتمع اللبناني حتى لو عملواكلهم. وعلاوة على ذلك فإن قوة العمل الفلسطينية في لبنان لا تتجاوز اليوم 50 ألفا، وهذا العدد هو نصف عدد الجالية المصرية العاملة في لبنان.
سادساً: السلاح؛ لا تحتاج هذه المسألة تفصيلا بل معالجة نهائية وحاسمة، لأن منالغلط التركيز على مسألة السلاح الفلسطيني وحده، ولا سيما أن الفلسطينيينأنفسهم أيقنوا، بعد تجربة نهر البارد، أن السلاح كان كارثة عليهم، فهو لميحمهم من «فتح الإسلام» على سبيل المثال، وأن ما يضمن لهم الأمن والأمان هوالتفاهم مع الدولة اللبنانية والتعاقد معها تعاقداً اخوياً بما لا ينتقصمن سيادتها على الإطلاق.
نظرتالحكومات اللبنانية المتعاقبة إلى الفلسطينيين كعبء بشري وتهديد أمني،فأوكلت إلى أجهزة الأمن ضبط المخيمات، وتركت للاونروا الرعاية الصحيةوالتعليمية والتشغيل. إن هذه النظرة ما عادت صحيحة اليوم، وفي جميع الأحوالفإن معالجة الملفات الفلسطينية هي مصلحة لبنانية أولا وأخيراً، ومصلحةصافية للسلم الأهلي في لبنان، ولا سيما ان المخيمات مثلها مثل الأحياءالشعبية في المدن اللبنانية، تشهد انجرافاً قوياً نحو التدين، وتنمو فيهاأفكار التطرف والتكفير. أما المعالجة، فأحسب أنها يجب أن تبدأ من القوانينالمجحفة مثل إلغاء الاستثناء الذي يحول دون اكتساب الفلسطيني حقوقا عقارية،ومثل إصدار تشريعات تتيح حق العمل الفلسطيني مع إلغاء إجازة العملالمفروضة. وما الضير في أن يستفيد العمال والمستخدمون الفلسطينيون منتقديمات الضمان الصحي وما دام رب العمل يدفع عنهم الرسوم القانونيةوالاشتراكات المنصوصة في القوانين اللبنانية؟ وما الضير في أن تقوم الدولاللبنانية بجانب من الرعاية الاجتماعية والبيئية للمخيمات مثل تعبيد الطرقوشق أقنية الصرف الصحي وتسهيل خدمات الهاتف والإنارة ما دامت تتلقى الرسوموالضرائب والجباية معاً؟
إن المادة (17) من الإعلان العالمي لحقوقالإنسان تنص على أن «لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره… ولايحق تجريد احد من ملكيته تعسفا». لكن لبنان خالف هذا الإعلان حينما منعالفلسطيني من ان يمتلك منزلا له، ثم عمد إلى نزع ملكيته حينما حال دون حقالفلسطيني في توريث ما كان يملكه سابقا لأولاده. وهذا الأمر هو إساءة بالغةلسمعة لبنان ما كان يجب الإقدام عليها مهما كانت المبررات، وصار منالضروري إنهاء هذه الإساءة. وفوق ذلك، فإن معاهدة اللاجئين لسنة 1951 التيلم يوقعها لبنان حتى الآن (وهذه المعاهدة لها قوة القانون الدولي حتى لو لميوقعها بلد ما من بلدان العالم) تنص على ما يلي: «توفر الدولة التي تستقبلاللاجئين معاملة متساوية لتلك التي تعامل بها هذه الدولة مواطنيها» (المادة 4)، و«في حال اتخاذ تدابير لحماية العمالة المحلية في وجه المنافسةالأجنبية فإن اللاجئ يستثنى من هذا المبدأ» (المادة 17)، و«يعامل اللاجئونكمعاملة المواطنين عبر الحق في تلقي التعليم العام» (المادة 22).
لايطلب الفلسطينيون من لبنان ما هو فوق طاقته، لكنهم يعتقدون أن في إمكانالحكومة اللبنانية أن تبادر إلى صوغ التشريعات الملائمة لتعديل قانون منعالتملك للفلسطينيين، والسماح لهم بالعمل في مختلف المهن، وتسهيل حقهم فيتأليف الجمعيات والمؤسسات الأهلية التعليمية والصحية والرياضية بما في ذلكانتخاب هيئاتهم التمثيلية وإصدار الصحف والمجلات… الخ، وإشراك السكان فيصنع القرارات المتعلقة بمستقبلهم كإدخال اللجان الشعبية الفلسطينيةالمنتخبة في الهيئات المشتركة اللبنانية ـ الفلسطينية التي ربما تنشأ فيالمستقبل. وهذه التشريعات لا تنتقص من سيادة الدولة اللبنانية التي لهاالحق في الدخول إلى المخيمات كلها، وان تنشئ في كل مخيم مخفراً يمثل سلطتهاالمباشرة على ان يكون واضحا تماما أن لا عودة إلى ما قبل سنة 1969، ولاعودة إلى ما قبل سنة 1982 في الوقت نفسه.
نقلاً عن: السفير اللبنانية، ملحق فلسطين، العدد 29

