حق العودة مقدس وانفجار الوضع قادم

أطفالٌ بملابس بالية، دون أحذية، يلهون وسط طرقات تملأها مياه الصرف الصحي، وأكوام من القمامة يتجمع حولها الذباب والحشرات بأنواعها وبعض القوارض الضارة. وشباب يلعبون النرد أو طاولة الزهر معظم ساعات النهار بسبب البطالة المتزايدة، وأكواخ من صفيح تسمى تجاوزاً بيوتاً، لا تقي ساكنيها حرّ الصيف ولا برد الشتاء، ونساء ينشرن غسيلهن في الطرقات التي بالكاد تتسع لمرور شخص واحد، حيث لم تسلم من مياه الغسيل التي ستسقط عليك وعلى ملابسك عند تنقلك بين شوارع المخيم.

هذه صورة من صور مخيمات قطاع غزة الثمانية في الذكرى الستين للنكبة. أوضاع إنسانية مزرية، وأعداد هائلة من السكان يعيشون على أقل من دولار في اليوم الواحد في ظل غلاء فاحش في الأسعار وحصار ظالم من قوات الاحتلال الصهيوني يكاد يفتك بكل معنى للحياة في المخيمات فتكاً تجاوز الإنسان والحيوان إلى النبات والجماد.
مخيم الشاطئ
 
 يقع مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة على شاطئ البحر، ومن هنا جاءت التسمية، ويبلغ عدد سكانه حوالى 75 ألف نسمة، معظمهم من قرى ومدن فلسطين المحتلة التي هجروا منها عام 1948م. مثل حمامة وهربيا وأسدود والسوافير والجورة والمجدل ويافا. يعيشون على مساحة كيلومتر مربع واحد فقط لتصل فيه الكثافة السكانية إلى أعلى نسبة في العالم. ويعاني سكان المخيم كسائر المخيمات الأخرى في قطاع غزة من نقص حاد في الخدمات الضرورية، أهمها المياه وشبكة الصرف الصحي والطرق، وشبه انعدام أماكن خاصة للعب الأطفال كالحدائق والمتنزهات والملاعب، وفي هذا السياق يقول اللاجئ محمد الجمالي: «إن مياه الشرب في مخيم الشاطئ غير صالحة للاستخدام الآدمي، فهي مالحة جداً، وحين نشربها نعتقد أنها تأتينا مباشرة من البحر، وأحياناً نشكّ في أننا نشرب مياه مجارٍ بسبب التصاق أنابيب المياه بأنابيب المجاري ما يؤدي أحياناً إلى اختلاطها بسبب الاهتراء الذي أحدثه أكثر من عشرين عاماً من عمرها، وفي فصل الصيف لا نكاد نرى المياه بسبب الانقطاع الدائم لها، مما يحوّل حياتنا إلى جحيم وبيوتنا لا نستطيع المكوث بها من غير ماء. أما اللاجئ سعيد حسن فتحدث لنا عن مشاكل الصرف الصحي في المخيم قائلاً: تعتبر مشكلة الصرف الصحي من المشاكل الدائمة التي نعاني منها، فمياه الصرف الصحي تغرق الشوارع بصورة دائمة، والجميع مضطر للسير وسط هذه المياه القذرة، والأخطر من ذلك أن الأطفال يلعبون في شوارع المخيم وسط المجاري، مما ينشر الأمراض والأوبئة الخطرة التي لا تكاد تفارق السكان، فضلاً عن شاطئ البحر الذي لا نستطيع الاقتراب منه في فصل الصيف بسبب مياه الصرف الصحي التي تنطلق مسرعة لتلوث الشاطئ والرمال، مما يمنعنا من الاستجمام بالمتنفس الوحيد في قطاع غزة».
وهذا ما يؤكده إبراهيم الغول رئيس لجنة حي الشاطئ السابق والمسؤول عن ملف المخيم، حيث أوضح أن مشاكل مخيم الشاطئ كثيرة ومتعددة تبدأ بمياه الشرب التي لم تعد صالحة البتة لدخول مياه الصرف الصحي عليها، وعدم وجود شبكة صرف صحي جيدة في المخيم، حتى إن السوق الوحيد في المخيم لم يعد صالحاً، فهو يضيق برواده يوماً بعد يوم، إذ لم يتم توسيعه منذ إنشائه، فضلاً عن التلوث الناتج من مياه المجاري والقمامة المتراكمة أسفل وحول الخضار، مما ينقل الأمراض، مؤكداً أن وكالة الغوث لم ترد على مناشدتنا لها من أجل حل مشاكل المخيم رغم مسؤوليتها المباشرة عنا، فضلاً عن التقليص الدائم للمعونات التي تقدمها الأونروا للاجئين، مما يزيد من المشاكل ويجعل الحياة أكثر صعوبة.
نحلم بالعودة
 
 الأمر المثير للدهشة في مخيم الشاطئ أن معنويات أبناء المخيم –رغم كل هذه الظروف- مرتفعة، وثقتهم بالعودة إلى بلداتهم الأصلية التي هجروا منها عام 1948 كبيرة جداً، رغم أن معظم الأهالي من مواليد ما بعد الهجرة ولم يروا بلداتهم الأصلية ولم يعيشوا فيها إلا أنهم متمسكون بها ولا مجال للحديث مع أحدهم عن التنازل عن حق العودة أو التعويض عن أراضيهم وديارهم.. هذا ما أفصح عنه الطالب محمد أبو كويك من المخيم الذي قال لنا: «في ذكرى النكبة نتذكر قرانا ومدننا الفلسطينية التي هجّرنا منها كاللد والرملة ويافا وحيفا، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني سيعود إلى هذه المدن بالمقاومة والدماء مهما طال الأمد. ويضيف: كلنا ثقة بنصر الله وتمكينه لنا في هذه الأرض إن شاء الله، فهذه التضحيات وهؤلاء الشهداء من خيرة قادتنا وشبابنا جديرزن بأن تعيدونا إلى ديارنا التي حرمنا منها بعد أن هجر أجدادنا وآباؤنا رغماً عنهم». أما الطالبة مها من الجامعة الإسلامية فأكدت أن العودة ستبقى ما دام الشعب الفلسطيني يؤمن بالله ويؤمن بعدالة قضيته. وأضافت: «ما زلنا نملك حقنا في العودة إلى فلسطين التاريخية، وأنا شخصياً ما زلت أملك حق عودتي إلى قرية نعليا التي هجر أجدادي منها، وسنعود إليها يوماً مهما طال الزمن فنحن كتبنا تاريخنا بدمائنا، وسننتصر على الاحتلال الذي سيزول وسيندثر لا محالة».
«حق العودة حق مقدس لا يسقط بالتقادم ولا يسقط مهما طال الزمن، فالقدس وحيفا وعكا والضفة وغزة ويافا والمجدل هي وطن واحد ودم واحد».. بهذه الكلمات بدأ الشيخ علي الجوجو حديثه مضيفاً: «سنعود إلى أرضنا التي هُجّرنا منها عام 1948، وإن طال الأمد فبلادنا من بحرها إلى نهرها بلاد إسلامية عربية لا تقبل التقسيم، فهي لشعب واحد.. فاليهود مارسوا منذ عام 1948 وحتى الآن سياسة التهجير والترانسفير، وهذه الخطة تنبع من قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} فسياسة الإخراج من الديار هي سياسة الكافرين والظالمين في كل عصر وفي كل حين، ولكن رغم هذه المكائد من العدو الصهيوني سيظل الشعب الفلسطيني متمسكاً بخيار المقاومة الذي سيعيد الأرض لأصحابها بإذن الله.
الانفجار قادم
 
 جميع هذه المخيمات تقع تحت مسؤولية وكالة الغوث التي تقلص خدماتها من حين لآخر على الرغم من صعوبة الحياة في المخيمات، مما يزيد من معاناة الفلسطينيين داخل مخيمات اللجوء، فضلاً عن مشاكل اجتماعية وصحية كما أوضح بعض الباحثين أن زيادة نسبة الرطوبة ونقص التهوية والتلوث ساعدا على انتشار العديد من الأمراض والأوبئة التي باتت تفتك بمعظم قاطني هذه المخيمات، ويرى البعض أن الأوضاع داخل المخيمات تتجه نحو الانفجار.
من جانبه أشار عدنان أبو حسنة المستشار الإعلامي لرئاسة الأونروا أن الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة يحول دون وصول خدمات الأونروا لمستحقيها في المخيمات، فضلاً عن منع دخول مواد البناء الذي عاق الوكالة عن بناء بيوت سكنية جديدة لسكان المخيمات أو إصلاح البيوت المدمرة وتحسين البنية التحتية فيها.
الكثافة السكانية آخذة بالتزايد الكبير نتيجة النمو السكاني المرتفع بين اللاجئين، في ظل المساحة المحدودة، الأمر الذي يؤدي إلى تدهور الأوضاع الصحية والبيئية فيها. هذا جزء من معاناة سكان مخيمات قطاع غزة التي تتفاقم يوماً بعد الآخر دون التفات من الجهات الدولية المسؤولة عنها، أو محاسبة دولة الاحتلال التي تقف وراء هذه المأساة منذ بدايتها حتى وصلنا اليوم إلى الذكرى الستين للنكبة، وقضية اللاجئين تبحث عن حل عادل يعيدهم إلى ديارهم ويعوضهم عن معاناتهم وفقاً لقرارات الأمم المتحدة.
عن مجلة العودة، العدد الثامن.

التعليقات مغلقة.